حواراتحوارات

باحث في الشأن الأفريقي: القارة السمراء بين مطرقة الإرهاب وسندان الاختراق

حوار: أحمد عادل

شهدت أفريقيا منذ تسعينيات القرن الماضي انتشارًا للجماعات الإرهابية بدءً من تنظيم القاعدة الذي شنّ أولي عملياته الإرهابية تجاه الأهداف الأمريكية في أفريقيا حيث تفجير سفارتي واشنطن في نيروبي ودار السلام عام 1998، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لجأت التنظيمات الإرهابية الموالية للقاعدة في بعض الأقاليم الأفريقية ملاذًا أمنًا تستطيع من خلاله شن العمليات الإرهابية، فضلًا عن استخدام دول القارة كمناطق لوجستية يتم فيها توفير الدعم للجماعات الإرهابية.

منذ عام 2006 بدأت تظهر جماعات إرهابية أفريقية الطابع والمنشأ، حيث إن تنظيم القاعدة كان منشأه أفغانستان فضلًا عن أن قيادته في ذلك الوقت «أسامة بن لادن» لم تكن أفريقية، ففي ذلك العام ظهر تنظيم يحمل أفكارًا راديكالية يدعي «اتحاد المحاكم الإسلامية»، في الصومال، والذي نجح في الاستحواذ علي السلطة في مقديشيو، إلا أن التدخل الإثيوبي في ذلك الوقت أدي لسقوط اتحاد المحاكم الإسلامية، ومن ثم انبثقت جماعة أخري تدعى حركة الشباب المجاهدين التي لم تخفى تبعيتها وولائها للقاعدة وبدأت الحركة في تنفيذ العمليات الإرهابية في الصومال وكينيا.

في الوقت الذي كان فيه الشرق الأفريقي ملتهبا إثر ضربات حركة الشباب ظهرت جماعة أخري في غرب أفريقيا وبالأخص في شمال نيجيريا بالقرب من بحيرة تشاد تدعي «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، المعروفة باسم «بوكو حرام»، توجه ضرباتها الإرهابية تجاه الدولة النيجيرية بدأ من عام 2009، وما لبثت أن طورت عملياتها الإرهابية منذ عام 2014/2015 تجاه دول إقليم غرب أفريقيا كالكاميرون وتشاد والنيجر.

وبين غرب أفريقيا وشرقها نشطت الجماعات الموالية للقاعدة مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وأخيرًا جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الذي تكون عام 2017 إثر اتحاد عدد من الجماعات الإرهابية في الصحراء الكبري.

أصبحت جل الدول الأفريقية تقريبًا تحت تهديد الجماعات الإرهابية، مما حدا بالدول الأفريقية بالتصدي للجماعات الإرهابية خاصة أن جميعهم يهدف إلى تقويض الدولة الوطنية الأفريقية، إلا أن المواجهة الأفريقية خاصة العسكرية لم تحسم الأمور إلي تلك اللحظة، فالجماعات الإرهابية مازالت تنشط في عدد من الدول وتوجه ضرباتها إلي الأهداف الأفريقية…

وفي هذا الإطار نستعرض مع الباحث في الشأن الأفريقي محمد الدابولي عوامل تأخر الحسم العسكري في مواجهة التنظيمات الإرهابية.

ما تقييمكم للمواجهة العسكرية الأفريقية؟

لا يمكننا الجزم بصورة أكيدة نجاح أو فشل الإستراتيجية العسكرية الأفريقية في مواجهة التنظيمات المتطرفة، فكل إقليم.. بل كل دولة تمثل حالة منفردة للغاية، ففي الوقت الذي تفشل فيه بعض الدول في مجابهة تلك التنظيمات تنجح بعض الدول الأخرى في إبعاد خطر الإرهاب عنها، فعلي سبيل المثال تنتشر عمليات حركة الشباب في كينيا أو الصومال.. نجد أن إثيوبيا منذ عام 2006 نجحت في تجنيب خطر حركة الشباب تمامًا عنها، إذ يمكن وصفها بأنها دولة حققت مناعة ضد الهجمات الإرهابية، وفي غرب أفريقيا نجد أن دولة مثل السنغال هي الأخرى لم تطالها العمليات الإرهابية رغم وقوعها في إقليم مضطرب تنتشر فيه الجماعات الإرهابية سواء في غرب أفريقيا أو الصحراء الكبري، أي أنه هناك بعض الدول حققت نجاحا ملحوظًا والبعض الآخر فشل في المجابهة.

برأيكم ماهي أسباب نجاح كل من السنغال وإثيوبيا في مجابهة الإرهاب ؟

منذ عام 2006 اعتمدت إثيوبيا على مبدأ الضربات الاستباقية التي منعت الجماعات الإرهابية من شن عمليات إرهابية في الداخل الإثيوبي، ففي ذات العام تدخلت عسكريا في الصومال لمنع إقامة حكومة راديكالية على حدودها الشرقية، ونجحت من خلال عمليات استخبارية معقدة في اختراق صفوف حركة الشباب وإبعاد هجماتها بعيدًا عن الداخل الإثيوبي، والأهم من ذلك نجحت إثيوبيا في تحويل الصراع الداخلي بها من صراع ديني إلي “إثني” بين جماعات التيجراي والأمهرا والأوروموا والأوجادين، فعلي سبيل المثال نجد أن هناك صراع بين جماعتي الأورومو والأوجادين رغم كون الجماعتين يدين أغلب سكانهم بالإسلام.

أما في السنغال فالوضع مختلف بعض الشئ، فداكار منذ استقلالها في ستينيات القرن الماضي نجحت في تبني نموذج ديمقراطي أفريقي قائمًا على فكرة تداول السلطة، فالسنغال تعد من الدول الأفريقية التي لم تشهد انقلابات عسكرية الأمر الذي خفف حدة الغبن الاجتماعي داخل البلاد، وبالإضافة إلي ذلك تلعب الاستخبارات السنغالية دورًا نشطًا في المواجهة المتقدمة للتنظيمات الإرهابية، ففي عام 2016 علي سبيل التحديد تم إطلاق أكبر حملة أمنية احترازية في البلاد شملت التحقيق مع 900 شخص لأجل استطلاع التوجهات الراديكالية في المجتمع السنغالي.

وبالحديث عن المجتمع السنغالي نجد أنه منقسم دينيًا إلى مذهبين صوفيين كبيرين هما التيجانية والمريدية وكلا المذهبين عملا علي وأد الأفكار الراديكالية فضلا عن كونهما أحد المحركات الأساسية للسياسة السنغالية.

ويتشابه الطرفان السنغالي والإثيوبي في أن كلاهما ذو علاقات استخبارية مع الدول الكبري، فإثيوبيا تنشط استخباريًا مع الولايات المتحدة، أما السنغال فتنشط استخباريًا مع فرنسا خاصة في عملية السرفال التي تمت في مالي، ولكن يلاحظ أن السنغال لم تنضم إلي قوة الساحل التي تشكلت لمواجهة الإرهاب في دول الساحل الأفريقية.

هل عدم انضمام السنغال لقوة الساحل مؤشرًا علي فشل الأخيرة في مهامها؟

قوة الساحل تأسست في يوليو 2017 لمواجهة تمدد الجماعات الإرهابية في دول الساحل خاصة مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينافاسو، إلا أن تلك القوة منذ تأسيسها وإلي اليوم لم تقم بمهام وعمليات عسكرية يمكن وصفها بالناجعة ضد الإرهاب، إذ يمكن وصفها بأنها مجرد منتدي للتحاور بين جنرالات الدول الخمس حول سبل مكافحة الإرهاب.

برأيكم ما هي عوامل فشل قوة الساحل في مجابهة الإرهاب؟

ليست قوة الساحل فقط هي من فشلت في مواجهة الإرهاب؛ حيث سبقها التحالف الإقليمي الذي أنشئ في عام 2014 لمحاربة بوكو حرام في محيط بحيرة تشاد، وأخيرا قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال «أميصوم» التي تعني من ضعف تمويلها.

وماهي الأسباب؟

تتعدد الأسباب ما بين ضعف الإمكانيات التسليحية للدول الأفريقية، فمعظم الدول الأفريقية يتدني ترتيبها على مؤشر “جلوبال فاير باور” فمعظم ترتيب تلك الدول يأتي في ذيل التصنيف والبعض يخرج من التصنيف مثل جيش بوركينا فاسو.

بالإضافة إلي العنصر السابق نجد أن الجيوش الأفريقية في محاربة الإرهاب أصابها الانحراف في أدائها، فعلي سبيل المثال ارتكب الجيش الكاميروني العديد من الانتهاكات الجسيمة في شمالي البلاد لأسباب عرقية وإثنية بعيدة عن محاربة الإرهاب، وهو ما أدي لخلق حالة من التعاطف مع بوكو حرام في شمال الكاميرون.

وهل كانت للقوى الخارجية دورًا في إضعاف المواجهة العسكرية؟

بالطبع ساهمت التدخلات الخارجية خاصة الأمريكية والفرنسية في تغذية الجماعات الإرهابية لا القضاء عليها، فعلي سبيل المثال تركز واشنطن على استهداف حركة الشباب في الصومال دون غيرها من الجماعات الإرهابية الأخري في الصومال مثل داعش، كما أن فرنسا من خلال عمليات السرفال وبرخان عملت فقط على دفع الجماعات الإرهابية بعيدًا عن المناطق الاستراتيجية في شمال النيجر ومالي حيث مناجم اليورانيوم، وتركت الجيوش الأفريقية المتهالكة في مواجهة تلك الجماعات.

وما دور الاستخبارات الأفريقية في هذا الشأن؟

للأسف تعاني الاستخبارات الأفريقية من الاختراق التام من قبل الجماعات الإرهابية، فمثلا نجحت حركة الشباب في شن هجمات مسلحة في الداخل الكيني بناءً على معلومات استخبارية كمواقع ومواعيد الدوريات، ونجحت في الحصول عليها من خلال تجنيد ضباط في الاستخبارات الكينية.

ما العمل؟

يجب على الاتحاد الأفريقي أن يتولى زمام الأمور في محاربة الإرهاب، من خلال تشكيل ناتو أفريقي تكون مهمته تشكيل قوات أفريقية مسلحة قادرة على التدخل في أي وقت وفي أي دولة لمحاربة التنظيمات الإرهابية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق